السبت, 10 نوفمبر, 2007
دائما ما تكون قيمة اي آله هي في وظيفتها التي تؤديها , ودائما ما تفقد الآله قيمتها حينما تتخلى او تفقد القدرة على اداء وظيفتها تلك , فيصبح بالتالي وجودها كعدمه , والامر هو كذلك حين الحديث عن العقل او عن القوة المدركة في الانسان التي يسميها الناس العقل .
فمن المفترض ان تكون وظيفة العقل الاساسيه هي ادراك المعلومه ومن ثم فحصها وقياسها لاستيعابها ليتم التقرير بعد ذلك عن مدى مطابقتها مع الحقيقه , فالعقل هنا هو بالضبط كالمرشح (فلتر ) في اي آله مكانيكيه حين يمرر النظيف ويحجز الاوساخ , , كذلك الحال مع الكمبيوتر مثلا حين نضع برامج الحمايه او الجدار الناري فنراه يمرر كل ما هو سمين ويمسك كل ما هو غث ومضر , وهنا لا استيطع ان ادعي بان تلك الآلات لن تعمل بغياب ذلك المرشح , ولكن غياب المرشح ذاك سيؤثر حتما على ديمومتها وعلى فاعليتها ايضا , ولو طبقنا ذلك على الانسان فلن تختلف النتائج كثيرا .
فالعقل هوالمرشح او الفلتر في الانسان والذي من المفترض ان يمسك عنه الغث ويعطيه السمين والذي من المفترض ايضا ان يحميه من آفات الفكر ولكن ربما هنا يختلف العقل عن المرشح في الآلات والجدار الناري في الكمبيتور في امر واحد , وهو انه ليس في العقل زر تشغيل واطفاء كما في البقية , فهو يعمل كما يمرّن , فان تم تمرينه على التوقف ووضع التساؤلات حول ما يمر من خلاله من افكار فهو سيفعل ذلك اما ان تم تمرينه على ترك الامور تمر كما هي فسيفعل ذلك .
تعودنا كثيرا منذ نعومة اظافرنا على الانصياع لقول الاكبر وتربينا على ان الكبير سواء كان اما او ابا او اخا هو افهم واقدر على الادراك وبالتالي يجب ان نطفئ عقولنا في وجه ما يمرر لنا من معلومات من قبلهم, وقد تواصل الامر في المدارس الى المساجد والمآتم عزفا على نفس الوتر , هذا الحق فاتبعه وهذا باطل فاتركه , ونحن ومن باب عمل الصواب قبلنا فعلا بالتخلي عن حق مشروع ووسيلة مهمة من وسائل الادراك , وهوالتساؤل , فالتساؤل هو اول العتبات في درج المعرفه وهو اول الخطوات في مسيرة العلم والادراك , فلو توقف المرء قليلا عند ما يسمع من اخبار ويقرأ من معلومات ومن ثم قام بتفعيل ادوات السؤال في عقله فهو ان لم يتوصل لحقيقه خلاف ما سمع او قرأ فانه حتما سيوسع ادراكه لتلك المعلومه بسبب وضعه للاحتمالات التي بسببها طرح التساؤلات , وهو ان لم يفند ما تلقى فانه حتما سيفهم ما تلقى , لكن انى لنا هذا ونحن لا نزال لا نفرق بين التشكيك والتساؤل وانى لنا هذا ونحن لا نزال نقمع عقولنا من التفكير والتساؤل بحجة العصمة من التشكيك والوقوع في المحظور .
لم يغفل رب العالمين هذا الامر وقد اشار اليه في عدة مواقع في كتابه الكريم وباشكال عدة , فمره يامرنا الله تعالى بعدم التوقف عند ما قال السالفين , وبالتالي القول حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا ومره يامرنا بتفعيل ادوات التساؤل من خلال مدح عبادة الذين يسمعون القول ويتبعون احسنه , اي ان يقفوا على ما قيل باختلافه ليقرروا من خلال طرح التساؤلات على الاقوال اين الحق ومن ثم كيفية اتباعه , لكن للاسف فان هناك من يترك قول رب العالمين خلف ظهره لا بسبب عناد بل بسبب عدم ادراك لذلك القول , فكلام رب العالمين يحتاج ايضا الى عقل مدرب منفتح يستطيع ان يقيم الامور وقياسها على الواقع لكي يفهم , لا عقلا جامدا قابعا في اسر فهم الآخرين.
في الحقيقه لا توجد هناك قيمة فعليه للعقل ما لم يفعل وبالتالي من لم يفعل عقله كانه كمن لا عقل له تماما , وايضا قد حاولت جاهدا ان اجد الفرق بين صفيحة الزباله والعقل الجماد ولم اجد غير فرق واحد, فالاثنين قابلين لاحتواء جميع انواع الاوساخ والقذارات , و الفرق الوحيد ان صفيحة الزباله تحفظ الاوساخ والعقل الجامد يحفضها ويوزعها على غيره .
هامش :
* هناك اختلافا كبيرا في مفهوم الادراك والجهاز ( ان صحت التسميه ) المسؤول عن الادراك فالبعض يقول العقل والبعض يقول النفس , ومفردة عقل في هذا الموضوع هي افتراضيه وذلك لتقريب الفهم .
* موضوع الادراك وكيفيه تفعيل الادراك والتساؤلات هو موضوع كبير جدا وبه تفصيلات كثيرة جدا , ولايمكن ابدا حصرها بموضوع مختصر كهذا , لكن الحديث هنا فقط عن العام .
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








